مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي
489
موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت ( ع )
لم تكن لذي رحم أو لم يتصرّف فيها تصرّفاً مانعاً عن الرجوع ؛ لقاعدة سلطنة الناس على أموالهم ، وجواز الرجوع في الهبة ( « 1 » ) . وأمّا بعد الإحرام ففي جواز رجوع الباذل عن بذله قولان : جواز الرجوع ( « 2 » ) وعدم جوازه ( « 3 » ) . واستدلّ للثاني بأنّه يجب على المبذول له حينئذٍ إتمام العمل ، وإذا وجب عليه الإتمام فليس للباذل الرجوع ؛ لاستلزامه تفويت الواجب عليه وعدم قدرته على الإتمام ، نظير من أذن لغيره في الصلاة في ملكه ، فإنّه بعد الشروع في الصلاة ليس للمالك الرجوع عن إذنه ؛ لأنّه يستلزم قطع الصلاة وهو محرّم شرعاً . وأجيب عن ذلك : أوّلًا : بمنع وجوب إتمام العمل على المبذول له ؛ لأنّ الاستطاعة كما هي شرط لوجوب الحجّ حدوثاً كذلك هي شرط له بقاءً ، فإذا زالت الاستطاعة بعد الإحرام - كما إذا فقد ماله أو رجع الباذل عن إذنه وامتنع من الإنفاق - انكشف أنّه غير مستطيع من أوّل الأمر ، فلا يجب عليه الحجّ ، وإذا لم يكن واجباً عليه لا يجب عليه الإتمام ، والمفروض أنّه لم يأتِ به ندباً حتى يتمّه ، وإنّما دخل في الإحرام بعنوان أنّه مستطيع وبعنوان حجّة الإسلام ، ثمّ انكشف أنّه لم يكن ثابتاً عليه ، وأمّا إتمام العمل لا بعنوان حجّ الإسلام فأمر يحتاج إلى دليل ، وهو مفقود ، فله رفع اليد عن إحرامه والرجوع إلى بلاده . وثانياً : لو فرض وجوب الإتمام على المبذول له فإنّما هو وجوب مخاطب به نفس المبذول له ، وذلك لا يرتبط بالباذل ولا يوجب استمرار البذل على الباذل وصرف المال من كيسه على ذلك الرجل بعد أن رجع عن إذنه . وعليه فالصحيح جواز الرجوع للباذل عن بذله قبل الإحرام وبعده ؛ لقاعدة سلطنة الناس على أموالهم . وأمّا تنظير المقام بباب الإذن في الصلاة ففيه أنّ الكلام في المقيس عليه ؛ لأنّ عدم جواز رجوع المالك عن إذنه في الصلاة يتوقّف على وجوب إتمامها وحرمة قطعها على الإطلاق وهو أوّل الكلام ؛ إذ لا دليل على حرمة قطع الصلاة سوى الإجماع والقدر المتيقّن منه غير هذا المورد ، فحينئذٍ إذا رجع المالك عن إذنه كان بقاء الرجل ومكثه في الدار غصباً ومعه تبطل الصلاة ( « 4 » ) . وقد يتمسّك لعدم جواز الرجوع بقاعدة الغرور . ولكن أورد عليه بأنّ أقصى ما تدلّ عليه قاعدة الغرور إنّما هو ضمان الغارّ لمصاريف العمل الذي وقع بأمره ، فيجوز للمغرور الرجوع إلى الغارّ فيما صرفه في سبيل العمل الواقع حسب أمره وإذنه ، ولا يثبت بها عدم جواز رجوع الباذل عن بذله ، فيمكن له الرجوع إلى شخص ماله ،
--> ( 1 ) انظر : مستمسك العروة 10 : 139 . معتمد العروة ( الحجّ ) 1 : 177 . ( 2 ) انظر : العروة الوثقى 4 : 403 ، م 41 ، تعليقة العراقي والخوئي والإمام الخميني . ( 3 ) العروة الوثقى 4 : 403 ، م 41 ، تعليقة النائيني والاصفهاني والشيرازي . ( 4 ) انظر : المعتمد في شرح المناسك 3 : 85 - 86 .